لم يكن عمل
المصور الإسلامي بالأمر الهين، بل كان عملاً شاقاً مضنياً، يستلزم منه وقتاً
طويلاً ومجهوداً عظيماً، إذ لم يكن مقصوراً على الرسم فقط بل كان عليه أن يحضر
بنفسه أدواته كالفرشاة والألوان والأصباغ والورق المزخرف وكل ما هو في حاجة إليه
في عمله. وقد اختص كل مصور بطريقته في تحضير هذه الأدوات وكان يعتز بها ويعتبرها
سراً من الأسرار لا يبوح بها لغيره إلا لتلاميذه لاعتقاده أنها أمثل طريقة وأحسن
وسيلة يستطيع بها أن يكسب الألوان والأصباغ الرونق والبهاء.
وكان
هناك نوعان من الألوان
الأول هو
الألوان المعدنية، والثاني هو الألوان النباتية، وقد فضل المصورون الألوان الأولى
منها لأنها بطبيعتها معتمة غير شفافة. وتحتفظ باللون ودرجته ولا تمتزج بعضها ببعض
مكونة ألواناً ثانوية. فإذا وضعنا لوناً أزرق فوق لونٍ أصفر اختفى الأصفر وظل
الأزرق أزرقاً. أما الألوان النباتية فنظراً لشفافيتها يمتزج اللونان ويكونان
لوناً ثانوياً هو اللون الأخضر وهكذا. وكانت هذه الألوان تُحَضَّر بأن تسحق
المعادن إلى أن تصير تراباً ناعماً ويتم ذلك عادة بوساطة حجر صلد صنع خصيصاً لهذا
الغرض. وبعد ذلك تنخل بوساطة قماش رقيق جداً ثم تخلط بمحمل لزج وهو السائل الذي
يستعين به المصور في تكوين الأصباغ بإضافة المعادن إليه.
ويتوقف
جمال الألوان على أمرين.. الأول دقة السحق والغربلة، والثاني كمية المحمل المستعمل
في عملية تكوين اللون. وكان المحمل أنواعاً ثلاثة: وهي الزلازل، والغراء، والصمغ
العربي. والأول منها كان مفضلاً في العصور الأولى لدوام الألوان المجهزة به
ومقاومتها لفعل الرطوبة، كما أن الصور الملونة به لا تتلف إذا ما صب الماء عليها،
ولمّا كان الزلازل لزجا فإن المصور كان يضيف إليه الشب، ونظراً لسرعة فساده كان
التجهيز يجري وقت الحاجة وعند اللزوم. وقد حلّ الغراء محل الزلال وكان يضاف إليه
عصير العنب أو محلول السكر ليمنع تشقق الصور إذا ما اقتصر على الغراء وحده. وتحتفظ
الألوان المجهزة منه بلمعانها ولكن بدرجة أقل من الزلال.
أما الصمغ
العربي فكان نادر الاستعمال، لأنه أقل احتمالاً بكثير منها. ومن الملاحظ أن الصبغة
كان يختلف لونها من عصر إلى آخر بحسب المادة التي تحضر منها، وقد اعتمد على هذه
الخاصية في التحقق من نسبة صور إلى العصور المختلفة اعتمادا على تحليل الألوان
المستخدمة في تلوينها. والمعروف أن اللون الأحمر كان يحضر من أحمر الرصاص الناتج
من تسخين الرصاص، ومن أكاسيد معدنية أخرى. أما اللون الأزرق فقد استحضر من اللزورد
والأسمانجوني Azurite. وللحصول على اللون الأصفر استخدم أكسيد الرصاص الأصفر أو
المغرة الصفراء. أما الأرجواني فكان من صدف سمك أرجواني اللون أو من كبريت وزرنيخ
أصفر وهو المسمى بالرهج. والأبيض من أبيض الرصاص أو الطباشير الرقيق. واللون
البنفسجي الزاهي، والقرنفلي من مزيج من الأزرق والقرمز الهندي.
واللون
القرمزي من الحشرات الجافة من عائلة القرمز التي تعيش على أشجار البلوط الكثيرة
الأشواك والتي تنبت حول البحر الأبيض المتوسط وأخيراً الذهب للون الذهبي. أما
الفرشاة فكانت من شعر الحيوانات. ففي إيران كانت من شعر قط له من العمر شهران ويجب
أن يكون طويل الشعر بصفة خاصة، وفي الهند استخدم شعر السنجاب، وكانت الفرشاه تعد
بشكل خاص بحيث ينتهي طرفها بشعرة واحدة وذلك طبعاً ليتمكن من تلوين الخطوط
الرفيعة. وقد تفنن المصور في شكل الورق فكان الورق المرقط بالذهب والرخامي أو
السحابي اللون وهو أنواع منه البسيط والممشط والمعقد والمزهر وذو النقوش الكتابية
والرسوم وأخيراً الذهب. وكان من الواجب أن يصقل الورق لئلا يمتص الألوان واستخدم
لصقل الورق زلال البيض أو محلول مخفف من النشا. وكيفية ذلك أن يوضع المحلول على
سطح الورق باستخدام فرشاه عريضة غير غليظة ثم يترك ليجف ثم توضع الورقة بعد ذلك
على لوح مقوس من الخشب صنع خصيصا لهذا الغرض، ثم تحك بوساطة المحار أو البلوط حتى
تصير لامعة.